أين أنتي يا إرم يا ذات العماد؟

لقد شغلت مملكة إرم عاصمة قبيلة عاد حيّزاً كبيراً من إهتمام العلماء والباحثين والمؤرخين، وشغلت فكرهم لسنوات طويلة، حتى أضحت مملكة إرم هي أطلنطس الشرق، كما أن مملكة أطلنطس هي إرم الغرب.

(أطلنطس مملكة عظيمة، تحدث عنها أفلاطون بشيء من المبالغة في حجمها وسعتها، كانت هذه المملكة حسب ما ذكره أفلاطون تقع في شبه جزيرة وتطل على المحيط الأطلسي، وتقع بالقرب من مضيق جبل طارق، وعلى هذا فهي جزء من شبه جزيرة أيبيريا، أو ما يعرف حالياً باسم أسبانيا والبرتغال، وقد شكك بعض الباحثين في وجود أطلنطس، واعتبرها أسطورة من تأليف أفلاطون، ولكن الحقيقة أن ما دونه أفلاطون عن هذه المملكة يحيل أن تكون مجرّد أسطورة، وقد ذكر أفلاطون أن مملكة أطلنطس كانت قويّة وقد حاولت غزو أثينا مملكة روما لإخضاعها، ولكن محاولتها بائت بالفشل، ولعل ذلك يعود لسوء الاستعداد لهذه الحرب من جهة، وقوة تحصينات أثينا من جهة أخرى، إلا أنه حدثت كارثة طبيعية مفاجئة، غرقت بسببها تلك الجزيرة في غضون ليلة وضحاها، و أصبحت بقعة ضحلة من الطين يستحيل العثور عليها، وكما يبدو أن اسم المحيط الأطلسي مشتق من اسم هذه المملكة)

وما من شكٍّ أن إرم استمدت عظمتها وأهميتها، مما ورد في القرآن الكريم عن صفتها.

حيث قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ)

فهي ذات العماد لكثرة أعمدتها، كما أنه لم يخلق مثلها في البلاد، لحسنها وجمالها وإتقان بنائها.

كما جائت الإشارة إلى ذلك أيضاً في قوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ)

فمن سمات بناء قبيلة عاد أنه كان آية، أي: أعجوبة من العجائب، كما أنها أبنية قويّة ومتينة، وقادرة على مقاومة العوامل الطبيعية، حتى يخيل إليك أن من بناها كان يعتقد بأنه سوف يكون خالداً.

لقد أخذ الباحثون يتخبطون في تحديد مكان إرم ذات العماد، لعدم وجود نصّ صريح في القرآن أو السنّة يوضّح وبجلاء أين هي إرم ذات العماد.

وكل ما ورد عن مكان إرم، أنها بالأحقاف، ولكن أين هي الأحقاف؟ فلا يوجد في جزيرة العرب موضع بهذا الاسم، فالحِقف وصف يطلق على كل ما إنحنى وإعوج من رمل أو جبل، وبما أن وصف بلاد عاد جاء بصيغة الجمع، فهذا يعني أن منازل قبيلة عاد إما تكون أرض جبلية أو أرض رملية، ولكن في القرآن ما يشير إلى أن بلاد عاد كانت أرضاً جبليّة، نجد ذلك وبصراحة في قوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) والريع، وجمعه: ريعان، وصف لا يطلق إلا على المناقب التي تكون في المناطق الجبلية، وعلى هذا فالأحقاف المراد بها في القرآن هي أحقاف جبيلة وليست رملية.

ولكننا سوف نغفر هذا الخطأ لرواة العرب، ولأننا نريد أن نعطي القارئ الكريم تصور كامل للمسألة، وما قيل فيها من أراء، فسوف نعرض جميع الأقوال التي قيلت في تحديد موضع إرم ذات العماد.

ولكن وقبل أن نشرع في ذكر الأقوال، نريد أن نحدّد مميّزات مدينة إرم ذات العماد التي وردت في القرآن الكريم، لنقوم من خلالها بتحديد أي الأقوال هو الصواب:

وإذا رجعنا إلى القرآن وجدنا أن مملكة إرم تتميّز بعدة مميزات وهي:

1- أنها مدينة ذات أعمدة كثيرة (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)

2- أنها مدينة جميلة خلّابة (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ)

3- أنها مدينة قويّة البنيان قادرة على تحمل العوامل الطبيعية (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ)

4- أن بنيانهم منتشر في أصقاع متعددة وليس محصوراً في حدود مملكتهم (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ)

5- والميزة الأخيرة والهامة، أن قريشاً في رحلاتها التجارية كانت تمر ببلاد عاد كما كانت تمر ببلاد ثمود وكانوا يرون مساكنهم، وما حل بهم، فقال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ)

6- أنها على الأرجح في منطقة جبلية بدلالة قوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ)

وتتلخص أراء الباحثين والخبراء في تحديد موقع رم ذات العماد في ثلاثة أقوال:

القول الأول: يرى أنها كانت جنوب الأردن، حيث يوجد في تلك المنطقة جبل كبير يدعى: إرم، وقد أطلق على الوادي الذي يمر بحذائها اسم: وادي إرم، وفي طرف الوادي بئر أطلق عليها نفس الاسم، وتعرف ببئر إرم.

قال الهمداني في صفة جزيرة العرب: "وبحسمى بئر إرم من مناهل العرب المعروفة" اهـ

وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان : "إرم: بالكسر، ثم الفتح .. وهو اسم علم لجبل من جبال حسمى من ديار جذام، بين أيلة وتيه بني إسرائيل، وهو جبل عال عظيم العلو، يزعم أهل البادية أنّ فيه كروما وصنوبرا. وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، قد كتب لبني جعال بن ربيعة بن زيد الجذاميين، أنّ لهم إرما" اهـ

ولكن هذا القول ضعيف جدّاً، فلا يوجد في تلك البقعة، أي أثارٍ لمدينة عظيمة كإرم! كما أنها في بيئة رمليّة.

وأما الاسم فلا يدل بتاتاً على شيء، لأن العرب كانت كثيراً ما تطلق الأسماء ذاتها التي تطلقها قبائل أخرى على مواردها وجبالها وأوديتها، وبهذا يكون جبل ووادي وبئر إرم في منطقة حسمى جنوب الأردن، ليس سوى تشابه أسماء فقط، ومما يثبت ذلك ويقطع به، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع إرم بجبلها وواديها وبئرها لأناس من قبيلة جذام، ولو كانت هذه المنطقة هي حقاً موضع قبيلة عاد، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخليتها، ولحرّم ورود بئرها، كما فهل عندما دخل ديار قبيلة ثمود، فنقول هنا، لا شك أن إرم الواقعة في جنوب الأردن لا علاقة لها بإرم ذات العماد عاصمة قبيلة عاد.

القول الثاني: أنها قلعة أوبار، الواقعة في منطقة الشصر، بصحراء ظفار، بعُمان، حيث أكتشف مؤخراً في تلك المنطقة، قلعة ثمانية الأضلاع سميكة الجدران بأبراج في زواياها مقامة علي أعمدة ضخمة يصل ارتفاعها إلي 9 أمتار وقطرها إلي 3 أمتار.

وهذا القول أضعف من سابقه، فهذه القلعة لا تتحلى بأي سمة من سمات مدينة إرم ذات العماد الستة، فهي ليست سوى قلعة حربية أقيمت على شاطئ بحر العرب، زيادة على أن جميع ما عثر عليه من مقتنيات أثرية داخل هذه القلعة، تم التأكيد على أنه تمت صناعته في العصور الإسلامية، مما يجعلنا بعيدين كل البعد عن التصديق بأن تكون هذه القلعة البسيطة هي إرم ذات العماد، المدينة العظيمة التي لم يخلق مثلها في البلاد.

وأما القول الثالث: فيرى بعض الهواة، أن أهرام مصر والمباني الهائلة، ذات الأعمدة الضخمة، هي إرم، والحقيقة أن تلك المدينة جديرة بأن تكون هي إرم ذات العماد، حيث تطابقت أوصافها مع أوصاف مدينة إرم في أربعة مواضع، ولكنها أختلفت معها في موضعين، وهما:

أن هذه المباني لا يوجد لها شبيه في أي مكان أخر من العالم، لا في مصر، ولا خارجها.

وأن هذه المباني ليست في ممر قوافل قريش أثناء ترحالها إلى الشام أو إلى اليمن.

لذلك فالقول بأن تلك المباني هي مدينة إرم ذات العماد، هو الأخر لا يصحّ.

إذاً ومن خلال ما سبق، تبيّن لنا أنه ولا واحدة من تلك المواضع اجتازت الاختبار الذي وضعناه لمعرفة أيهن هي إرم ذات العماد.

ولكن هناك مواضع أخرى، تمتلك المميزات الخمس المذكورة أعلاه، ولكن الباحثين والخبراء يؤكدون على عدم وجود علاقة بينها وبين إرم ذات العماد، فهل كان الباحثون والخبراء مخطئون، أم أنهم تعمدوا تزوير نتائج أبحاثهم في هذه الآثار لأغراض تاريخية ومادية!

فبعد بحث خاص أجريته على الممالك الأثرية التي عثر عليها، تفاجئت بأن هذه المميزات الخمس، تنطبق تماماً على ما يسمى بالآثار الرومانية، فهي مدن ذات أعمدة كثيرة، ومدن جميلة وخلابة، ومبنيّة بطريقة متينة وقوية، وبنيانها منتشر في أصقاع كثيرة من الأرض، في الشام والأردن ومصر وليبيا والجزائر والمغرب واسبانيا وإيطاليا ورومانيا وآسيا الصغرى، بل إنه في الشام وحدها عثر على تلك المباني في ثلاثة مواضع، في جرش والبتراء بالأردن، وفي تدمر وبصرى بسوريا!

وهنا أقف لأحيل القارئ الكريم لموضوع سبق وأن كتبته في هذا الشأن بعنوان (هل الآثار الرومانية هي في الحقيقة آثار قوم عاد) ليطالعه ويرى فيه رأيه 
(أنزل إلى اسفل الصفحة لتحصل على الرابط)

وتقبلوا تحياتي.

تعليقات

  1. تعليقي في نقاط سريعة :

    - أن بنيانهم منتشر في أصقاع متعددة وليس محصوراً في حدود مملكتهم (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ)
    ممكن الجملة كذلك تسري على مرتفعات متعددة في مملكتهم، وهذا ما حدث بالضبط، فمصر فيها أكثر من 100 هرم كلها مبنية فوق هضاب مرتفعة ...

    - أن هذه المباني لا يوجد لها شبيه في أي مكان أخر من العالم، لا في مصر، ولا خارجها.
    لم أفهم هذه الجملة ... الأهرامات ليست هي ارم ذات العماد لكن هي جزء منها
    إرم ذات العماد تضم معابد الأقصر وأبو سمبل وأهرامات الجيزة، وأهرامات دهشور العملاقة، والتوابيت والمسلات .. كل شيء

    ثانيا أنه لا يُشترط أن تكون في ممر قوافل قريش .. وهل نزل القرآن لقريش فقط ؟ .. القرآن نزل للناس كافة ..
    فلما القرآن يقول وعاذا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم .. لا يعني وقد تبين لكم يا قريش من مساكنهم .. بل للبشر جميعا

    فالنقطتين محتاجين إعادة نظر

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا وبارك الله فيك تعليق مفيد وتنبيهات قيّمة

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عاد الأولى وعاد الثانية

هل الآثار الرومانية هي في الحقيقة آثار قبيلة عاد