عاد الأولى وعاد الثانية

كان ذكر عاد يتردد بين رواة العرب في الجاهلية، وبهم يضرب المثل فيقال: "لا تكن كوافد عاد" ولا أظن خبر عاد بقي يتردد بين العرب، إلا لأنهم يرون آثارهم، فبسبب هذه الآثار، تنتقل أخبارهم جيلاً بعد جيل، فإن كل جيل إذا رأوا هذه الآثار سألوا عن أصحابها، فيخبرهم أباءهم بما سمعوا عن أسلافهم عن أهل هذه الآثار وما جرى لهم، كما أنها تصبح موضعاً خصباً للقصاص، لتأليف الأساطير، وحياكة الأكاذيب.


وإنما لم يرد لمنازل عاد ذكر كما ورد عن منازل ثمود، لكون النبي صلى الله عليها وسلم وصحابته لم يمروا عليها، فإن الأخبار التي جاءت في تحديد موضع منازل ثمود، إنما جاءت بسبب أن النبي مر على ديار ثمود.


ولكن أين هي أثار عاد التي تحفظ لهم ذكرهم، وتجعله يتردد في أفواه رواة العرب جيلاً بعد جيل؟! الحقيقة أنه لا وجود لهذه الأثار، وكل ما يقال حول مواطن عاد تخرص وأوهام.


فكيف إذا بقي ذكر عاد دون أي أثر يبقي ذكرهم حيّاً بين الناس؟


الحقيقة أن القول بأن عاد التي يتردد ذكرها بين رواة العرب في الجاهلية، قد لا يكون لها علاقة بقبيلة عاد قوم هود، بل هم قبيلة أخرى، كانت تقيم باليمن، ولا علاقة لها بعاد قوم هود سوى بتشابه الأسماء.


وهذا ما يشير إليه القرآن، وإن لم يصرّح به، فقد قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ) فهل أراد الله تعالى بذلك التمييز بين عاد قوم هود وعاد أخرى نشأت بعدها، أم أراد بقوله الأولى، اسبقيتها في الوجود على الأمم الأخرى، الحقيقة أن الخيار الثاني ضعيف جداً، فما معنى أن يصف الله عاد بالأولى لهذه العلّة، وهناك من الأمم من هو أسبق منهم في الوجود، كقوم نوح! إذاً فالخيار الأول هو الراجح، فكأن الله تعالى يريد أن يقول للعرب، إن عاداً قوم هود ليسوا هم عاد الذين تعرفونهم، بل هو قوم كانوا وهلكوا قبل عاد الثانية، الله أعلم!


فقوم هود، قبيلة قديمة جداً، عاشت في زمن قريب عهده من قوم نوح، كما قال تعالى مخبراً عن ما قاله هود إلى قومه عاد: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) وبين عاد قوم هود وبين زمن النبي مرت عشرات الألوف من السنين، مما يجعل بقاء ذكرهم يتردد على ألسنة العرب، أمراً مستحيلاً.


بل إن ثمود قوم نبي الله صالح، مع كونهم أقرب زماناً لزمان النبي صلى الله عليه وسلم، ومع بقاء شيئ من أثارهم، كانوا مجهولوا الحال اسماً ومعناً عند العرب في الجاهلية، فلا ذكر لثمود في أخبار العرب وأشعارهم، مع معرفة رواة العرب لكثير من القبائل التي بادت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كطسم وجديس والعماليق وعبدضخم وغيرهم، ولكننا لا نجد رواة العرب يذكرون من القبائل البائدة، قبيلة ثمود، مما يدل على أنهم كانوا يجهلون وجود هذه القبيلة، لقدم العهد بهلاكها، فكانوا يرون تلك الىثار في العلاء ولكنهم لا يدرون لمن تكون، حتى جاء النبي وأخبرهم أن هذه منازل قبيلة ثمود قوم النبي صالح عليه السلام.


فإذا كان هذا حال ثمود قوم صالح، فما معنى أن يذكروا عاداً قوم هود مع أنهم أقدم من ثمود ولا وجود لشيء من أثارهم؟!


ومما يثبت عدم وجود علاقة بين عاد الأولى وعاد الثانية، هو ما يحكيه رواة العرب حول كيفية هلاك قبيلة عاد الثانية.


فعن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها. فقالت: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟. قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست فدخل منزله، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت فسلمت. فقال: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم وكانت الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت. وقالت: يا رسول الله أين يضطر مضرك؟ قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها حملت هذه، ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قالت هي: وما وافد عاد؟ وهي أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه. قلت: إن عاد قحطوا، فبعثوا وفدا لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، يقال: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم لم أجيء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا. قال: فلما بلغني أنه أرسل عليهم الريح إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال - أبو وائل وصدق -: وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا يكن كوافد عاد.


قلت: فمن خلال تفاصيل الرواية، وإن كانت لا تخلوا من ضعف في سندها، ومن زيادة في متنها، إلا أنه على فرض صحتها، فإنها لا علاقة لها بعاد الأولى، فعاد في خبر الحارث البكري أصابها قحط، فجفت العيون وأجدبت الأرض، وكانوا على مشارف الهلاك، ثم بعثوا وافدهم إلى تهامة - يريدون إلى بيت الله الحرام وإلا فما حاجتهم أن يبعثوا وافدهم إلى تهامة لولى قداسة البقعة التي بعثوه إليها - وهناك بعثت عليهم سحابة سوداء معها ريح حارّة، تجعل ما تمر عليه رماداً، من شدة حرها، لذلك جاء وصفها في الخبر "خذها رماداً رمددا" أي ريح حارة شديدة الحرارة.


فتفاصيل هذا الخبر، يؤكد وإن كان فيه شيء من ملح القصاص وزياداتهم وتهويلاتهم التشويقية، أن عاد الثانية، هلكوا من شدة القحط الذي أصابهم، بعد أن نال منهم الجهد والعوز والفاقة مبلغها، ثم ذهبوا ليستسقوا عند الحرم، ولما استسقوا، بعثت عليهم السموم، وهي الريح الحارة شديدة الحرارة حتى هلكوا.


وأما عاد الأولى، فقد قضي عليهم في عزّ قوتهم، وشدة شوكتهم، وغاية نفوذهم وصولتهم، ثم إنه في زمانهم لم يكن هناك حرم لله في تهامة، ولم يكن البيت الحرام قد بني بعد، وأما ما يزعمه القصاص من أن البيت بني في زمن أبينا آدم فكذب مفضوح، فإن البيت الحرام بني في زمن إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم ظهر بعد عاد بقرون طويلة جداً، ثم إن عاداً الأولى هلكوا بالريح الباردة، فماتوا من شدة بردها، وليس بالريح الحارة!


إن هذا التباين في خبر القبيلتين، يجعلنا موقنين، ويؤكد لنا، بأن عاد التي كانت أخبارها تتردد على ألسنة رواة العرب في الجاهلية، لا علاقة لها بعاد قوم هود، وأن عاد الثانية كانت تقيم باليمن، فأصابها قحط أعقبه صيف حار، فألهبت الرياح الحارة من عطشهم وجوعهم فهلكوا، وهو ما يفسر لنا تردد اسم عاد على ألسنة رواة العرب قبيل الإسلام، فتلك القبيلة هلكت قبل الإسلام بمدة مكّنت لذكرها من البقاء إلى ظهور الإسلام، كما هو حال طسم وجديس والعماليق وعبد ضخم وما عرف اصطلاحا بالقبائل البائدة، ولو كان زمن هلاكها بعيد جداً عن عصر الإسلام، لربما نسي خبرهم كما نسيت أخبار غيرهم من القبائل التي هلكت في الزمان القديم.


وقد عثر في النقوش الحجرية اليمنية على اسم "ذو عاد" كشعب يقطن في منطقة مأرب باليمن، ولا نراها سوى عاد الثانية، وبسبب هذا التشابه في الأسماء وقع الخلط عند الرواة فظنوا أن عاداً الثانية التي تقيم باليمن، هي عاد قوم هود عليه السلام.


ذكرت أن العرب لم يكونوا يعدون ثمود من القبائل البائدة واستنتجت أن في هذا دليلا على أن العرب لم يكونوا يعرفون شيئاً عن ثمود مطلقاً حتى جاء النبي وأخبرهم بخبرهم وأن تلك المباني الحجرية بيوتهم واستنتجت من خلال ذلك أيضاً أنه كما جهل العرب خبر ثمود مع بقاء أثارهم فلا شك أن العرب يجهلون عاد الأولى لأنهم أقدم زمناً ولا يوجد شيء من أثارهم ثم استنتجت من خلال ذلك كله أن عاد المذكورة في أمثال العرب ليسن هي عاد الأولى بل هي عاد أخرى نشأت في وقت متأخر وهلكت بسبب القحط الذي حل بديارهم والسؤال هنا:


1- لماذا لم يكن العرب يعدون عاد الثانية من جملة القبائل البائدة؟


2- عثر على خريطة لإغريقي يدعى بطليموس ذكر فيها مواضع باسم عاد وإرم بنواحي تبوك؟ ألا يعني هذا أن المراد بها عاد وإرم الواردة في القرآن؟


3- وماذا عن النسب المذكور لعاد وثمود الوارد في كتب التاريخ الإسلامي؟


جواب السؤال الأول: أن عاد الثانية ليست قبيلة مستقلة بل هي فرع من قبائل أكبر منها، بخلاف طسم وجديس وعمليق وعبدضخم فهي قبائل مستقلة مثل حمير والأزد وهمدان .. الخ فلو هلكت قبائل الأزد مثلا، لكان لهلاكها صدى وتأثير في البية المحيطة بها، إذ يعد هلاك قبيلة بأسرها حدثاً استثنائياً وغير اعتيادي، ولعدت قبائل الأزد من القبائل البائدة، ولكن لو هلكت قبيلة لهب أو الصبر أو غامد أو زهران في ذلك الزمان عندما كانت تلك القبائل عبارة عن أفرع تنتسب إلى القبيلة الأم "الأزد" لم تعد من القبائل البائدة، بل يتذاكرون أن هناك فرع من الأزد هلك، وليس هذا بالحدث المهم أو الخطب الجلل، ولذلك نجد أن هناك الكثير من العمائر والبطون والأفخاذ والفصائل هلكت قبل بعثة النبي ولم تذكر، وإن ذكرت ذكرت لأن الحديث عرّج بهم على ذكرها، بخلاف هذه القبائل التي قصد المؤرخون الحديث عنها لأهميته تاريخياً بالنسبة لهم.


جواب السؤال الثاني: بطليموس الإغريقي عاش في القرن الثاني الميلادي أي قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بقرابة 500 سنة فقط ، كما أن أسماء المواضع في خريطته كتب باللغة والأحرف الرومانية حيث ذكر (Oaditae) تلفظ (عُديتي) و (Aramaya) وتلفظ (أراميّا) بتشديد الياء، في موضع يقع تقريباً شرقي خليج العقبة ، فراسم الخريطة عاش في زمن متأخر جداً، وكما قلنا سابقاً فإن هلاك عاد وقع في زمن متقدم جداً من عمر البشرية، فيستحيل على مثل بطليموس معرفة عاد أو إرم، ثم إن رسم الكلمتين وإن كان متقارباً في اللفظ من عاد وإرم، إلا أنه ايضاً بعيد الاحتمال لوجود تباين في اللفظ فـ "عاد" ليست "عُديتي" وكان من المحتمل أن يكتب بطليموس اسم عاد لو كان يريد عاد حقاً على هذا النحو: "ead" أو "eadius" ، بينما نجد أن "إرم" ليست "أراميَّا" ولو أراد بطليموس كتابه إرم لكتبها على هذا النحو "Iiram'" أو "Iirmus'" ، إذا تبين مما سبق أن بطليموس عاش في زمن متأخر جداً، وأن الأسماء التي ذكرها في خريطته بينها وبين عاد وإرم قوم هود عليه السلام، بون شاسع، لا يمكننا معه القول بأنه أراد عاد أو إرم قوم هود عليه السلام، ولو سلّمنا أن بطليموس أراد إرم الواقعة في جنوب الأردن، فموقع إرم الواقع جنوب الأردن ليس هو إرم عاصمة مملكة عاد، من جهة أنه لا يوجد أي دليل مادي على وجود مدينة أثرية في هذه المنطقة، كما أنه لو كانت هذه المنطقة هي منطقة عاد قوم هود عليه السلام، لم يكن النبي ليقطع بني جذام - كما ورد في السير- هذه المنطقة لهم، ولأمرهم بتخليتها، مثل ما أمر بتخلية مدينة الحجر مدينة قوم صالح عليه السلام.


جواب السؤال الثالث: جميع ما ورد عن نسب نوح عليه السلام وعاد ونبيهم هود عليه السلام وما ورد عن نسب ثمود ونبيهم صالح عليه السلام بل حتى ما ورد عن نسب إبراهيم عليه السلام فكله ملفق موضوع أما نوح وإبراهيم فقد قام بوضع أنسابهم قصاص يهود وأما عاد وهود وثمود وصالح فقد تبرع قصاص العرب بوضع أنسابهم، ومن المضحك أن قصاص العرب جعلوا إرم التي ذكر الله في كتابه انها مدينة أباً من أباء عاد ؟!


والله وحده أعلم وأحكم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أين أنتي يا إرم يا ذات العماد؟

هل الآثار الرومانية هي في الحقيقة آثار قبيلة عاد